ثالثة ثانوي إعدادي .. الرسول صلى الله عليه وسلم يرسي قيم السلم والتعايش (وثيقة المدينة)
مدخل تمهيدي:
كانت المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ إليها تعرف بيثرب، وكانت قبل الإسلام مسرحا للحروب ومعارك دامية وطويلة خاصة بين الأوس والخزرج ، ومزجت بين ديانات ومعتقدات مختلفة ،منها الوثنية واليهودية والحنيفية ، وساد فيها النظام القبلي الذي يكرس الطبقية والتمييز القائم على أعراف وقوانين لا صلة لها بالديانات السماوية ،كانت على هذه الحال إلى أن قدم إليها الرسول ﷺ وبنى بها مجتمعا جديدا قائما على أسس تضمن الأمن والاستقرار لكل من يقيم بها.
فكيف أرسى رسول الله ﷺ قيم السلم والتعايش في المجتمع الجديد بالمدينة المنورة؟
النصوص المؤطرة للدرس:
قال الله تعالى:”وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” سورة الحديد 8.
تفسيرالآية :
وأيُّ عذر لكم في أن لا تصدقوا بوحدانية الله وتعملوا بشرعه، والرسول يدعوكم إلى ذلك، وقد أخذ الله ميثاقكم على ذلك، إن كنتم مؤمنين بالله خالقكم؟
وثيقة المدينة ( انظر أسفل الصفحة)
شرح المفردات:
ميثاقكم: عهدكم
ربعتهم: معقلهم وحصنهم وملجئهم
يتعاقلون بينهم: يشتركون في تأدية دية القتيل.
يفدون عانيهم: يفدون أسيرهم.
مفرجا : من أثقله الدين.
فداء : ما يقدم من مال أو نحوه لتخليص الأسير.
ابتغى دسيعة :طلب دفع ظلم والدسيعة العظيمة.
ذمة :عهد وميثاق.
يجيره: يجعله في جواره وحمايته.
يبيئ بعضهم على بعض: يقتلون القاتل بالقتيل.
اعتبط مؤمنا: قتله دون جناية أو سبب يوجب قتله.
قود : قصاص.
المحدث: كل من أتى حدا من حدود الله تعالى.
الصرف: التوبة.
العدل: الفدية.
استخراج المضامين:
- الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى استجابة للدعوة الرسول ﷺ والتزاما بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده.
- يشير الوثيقة إلى الأسس التي اعتمدها الرسول ﷺ لإرساء قيم السلم والتعايش بالمدينة.
المحور الاول : دعوة الإسلام إلى السلم والتعايش.
بعد هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، شرع في إرساء قواعد مجتمع إسلامي جديد يرتكز على:
– الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ.
– تطبيق شريعته لما في ذلك من أثر في جمع الكلمة ووحدة الصف وصد الخلافات.
ولبناء هذا المجتمع القائم على الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ كان أول ما قام به بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة والتفقه في الدين.
ثم شرع في تحقيق الوحدة بين المهاجرين والأنصار ونزع فتيل الخلاف بين الأوس والخزرج، ثم كتب وثيقة بينه وبين المسلمين وبين اليهود المقيمين في المدينة، حيث ترك لهم مطلق الحرية في الدين والمال، وبهذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وعاصمة حقيقية للإسلام تنعم فيها كل الأطراف بالاستقرار والأمن والسلم، ويسود بينهم التسامح ويتجسد بينهم التعايش، واستمر الوضع كذلك إلى حين ظهور مؤشرات الكيد ونقض العهد من اليهود مما جعله يخرجهم من المدينة ويحكم عليهم بالجلاء.
المحور الثاني : الأسس والمبادئ التي قامت عليها وثيقة المدينة.
- حرية العقيدة والتدين.
- العدل ومنع الظلم بين المسلمين وغيرهم.
- الوفاء بالعهود والمواثيق.
- التخفيف عن المدين.
- استقلال الذمة المالية.
- التعاون في حماية الوطن حالة الحرب.
- وحدة المرجعية في التقاضي عند النزاعات.
وثيقة المدينة
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وداع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وذكر كذلك في بني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، وبني الأوس، وأن المؤمنين لا يتركون مفُرجَا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعضدون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سِلْم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن من دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء أو عدل بينهم، وإن كل غاز ية غزت معنا يعُقبِ بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبُيء بعضهم عن بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وإنه لا يجير مشركٌ مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين
عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحدِثاً ولا يؤو يه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرفٌ ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد، وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة
مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، بني النجار مثل مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوُتغ إلا نفسه وأهل بيته. وذكر مثل ذلك ليهود بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة، وبني الشطبة، وإن جفنة بطن من ثعلبة، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإن البر دون الإثم، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وإنه لا ينحجز عن ثأر جرح، وإنه من فتَكَ فبنفسه إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لن يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تُجاَر حُرْمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو استجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه و يلبسونه فإنه يصالحونه و يلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل إنسان حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكتسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وإن من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم». هكذا ذكره ابن إسحاق.